ابن قيم الجوزية

650

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

ضمير الثاني على الأول لدخولهما تحت جنس واحد ، فهكذا قوله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ( 156 ) [ الأعراف ] فالمكتوب للذين يتقون نوع خاص من الرحمة الواسعة ، والمقصود : أنّ الرحمة لا بد أن تسع أهل النار ، ولا بد أن تنتهي حيث ينتهي العلم ، كما قالت الملائكة : رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ( 7 ) [ غافر ] . الرابع عشر : أنه قد صحّ عنه صلى اللّه عليه وسلم حديث الشفاعة ، قول أولي العزم : « إنّ ربي قد غضب اليوم غضبا ، لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله » « 1 » وهذا صريح في أنّ ذلك الغضب العظيم لا يدوم ، ومعلوم أنّ أهل النار إنما دخلوها بذلك الغضب ، فلو دام ذلك الغضب ، لدام عذابهم . إذ هو موجب ذلك الغضب ، فإذا رضي الربّ تبارك وتعالى ، وزال ذلك الغضب ، زال موجبه . وهذا كما أن عقوبات الدنيا العامة وبلاءها آثار غضبه ، فإذا استمر غضبه ، استمر ذلك البلاء ، فإذا رضي وزال غضبه ، زال البلاء ، وخلفته الرحمة . الجواب الخامس : أنّ رضاه أحب إليه من غضبه ، وعفوه أحب إليه من عقوبته ، ورحمته أحب إليه من عذابه ، وعطاءه أحب إليه من منعه ، وإنما يقع الغضب والعقوبة والمنع بأسباب ، تناقض موجب تلك الصفات والأسماء ، وهو سبحانه كما يحب أسماءه وصفاته ، ويحب آثارها وموجبها ، كما في الحديث : « إنه وتر يحبّ الوتر ، جميل يحب الجمال ، نظيف يحب النظافة ، عفو يحب العفو » « 2 » وهو شكور يحب الشاكرين ، عليم يحب العالمين ، جواد يحب أهل الجود ، حييّ ستّير ، يحب أهل الحياء والستر ،

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3340 ) ، ومسلم ( 194 ) عن أبي هريرة . ( 2 ) رواه مسلم ( 91 ) ، والترمذي في الأدب 41 ، وأحمد 4 / 123 و 124 و 151 .